حبيب الله الهاشمي الخوئي
53
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قال المفضل : فقلت إنّ قوما من المعطلة يزعمون أنّ اختلاف الألوان والأشكال في الطير إنما يكون من قبيل امتزاج الأخلاط واختلاف مقاديرها بالمزج والاهمال . فقال عليه السّلام : يا مفضّل هذا الوشى الَّذي تراه في الطواويس والدّراج والتدارج على استواء ومقابلة كنحو ما يخطَّ بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف ، لو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا . تأمّل ريش الطير كيف هو فانّك تراه منسوجا كنسج الثّوب من سلوك دقاق قد ألَّف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط والشّعرة إلى الشّعرة ، ثمّ ترى ذلك النّسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الرّيح فيقلّ الطَّائر إذا طار ، وترى في وسط الرّيشة عمودا غليظا معيّنا قد نسج عليه الذي هو مثل الشّعر ليمسكه بصلابته ، وهو القصبة التي في وسط الرّيشة ، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطَّائر ولا يعوقه عن الطيران . هل رأيت يا مفضّل هذا الطَّاير الطَّويل السّاقين وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه فانّه أكثر ذلك في ضحضاح ( 1 ) من الماء ، فتراه لساقين طويلين كأنه ربيئة ( 2 ) فوق يرقب وهو يتأمّل ما يدبّ في الماء ، فإذا رأى ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقا حتّى يتناوله ، ولو كان قصير السّاقين وكان يخطو نحو الصّيد ليأخذه تصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرّق عنه ، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه . تأمّل ضروب التّدبير في خلق الطَّاير فانّك تجد كلّ طاير طويل السّاقين طويل العنق ، وذلك ليتمكَّن من تناول طعمه من الأرض ، ولو كان طويل السّاقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض ، وربما أعين مع تطول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة له وإمكانا ، أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئا
--> ( 1 ) ماء ضحضاح قريب القعر ( منه ) ( 2 ) الربيئة العين الذي ينظر للقوم لئلا يداهمهم عدوّ .